إريتريا · 1961 — وما زالت الشعلة

أرضُ الشهداء
شعلةُ الثورة

ثلاثون عاماً من الكفاح المسلّح روت فيها دماءُ الأبطال جبالَ إريتريا ووديانَها، حتى انكسرَ القيدُ وارتفعَ العلم. هذه الصفحات وفاءٌ لمن مضوا، وشهادةٌ على ما يجري، ويدٌ ممدودةٌ لمن بقي.

الصفحة الأولى · الواجب

المجدُ والخلودُ لشهدائنا الأبرار

من شرارة أدال الأولى عام 1961 إلى تحرير أسمرا عام 1991، قدّم الشعبُ الإريتري قوافلَ من الشهداء: مقاتلون ومدنيون، رجالٌ ونساء، شبابٌ في عمر الزهور. لم يستشهدوا ليُحكمَ الوطنُ بالخوف، بل ليعيشَ أبناؤه أحراراً كرماء.

٠عاماً من الكفاح المسلّح
٠شهيدٍ في سبيل التحرير
٠عامَ تحريرِ الأرض
«ومن ماتَ مدافعاً عن أرضِه وكرامةِ شعبِه لم يمُت.. بل وُلِدَ في قلبِ كلِّ حرٍّ من جديد»

جدارُ النور — أشعلنا هذه الشموعَ عددَ ما أطفأ الظلمُ من بيوت.. وكلُّ شعلةٍ تقول: لن ننسى

الصفحة الثانية · الحقيقة

عندما انقلبَ الجلّادُ على ثورةِ شعبِه

حملَ الإريتريون السلاحَ ثلاثين عاماً ضد المحتل، فإذا بالقيدِ يعود.. وهذه المرة بأيدي رفاقِ الأمس. منذ عام 1991 يحكم أسياس أفورقي البلادَ بلا دستورٍ ولا انتخاباتٍ ولا صحافة، حتى صار وطنُ الشهداء في وصف كثيرين «السجنَ المفتوح».

٠١

دستورٌ في الأدراج

أُقرت مسودة الدستور عام 1997، وما زالت حبراً على ورق: لا فصلَ بين السلطات، ولا ضمانةَ للحريات، ولا سقفَ لصلاحيات الرجل الواحد.

اقرأ المقال
٠٢

لا انتخابات.. أبداً

منذ استقلال 1993 لم تشهد إريتريا انتخاباتٍ وطنية واحدة؛ يحكم أفورقي بلا تفويضٍ من صناديق الاقتراع منذ أكثر من ثلاثة عقود.

اقرأ المقال
٠٣

خدمةٌ وطنية بلا نهاية

تجنيدٌ إجباري مفتوح الأمد وصفتْه لجنةُ التحقيق الأممية بأنه يرقى إلى الاستعباد؛ شبابٌ تذبل أعمارُهم في المعسكرات والأعمال القسرية.

اقرأ المقال
٠٤

مقبرةُ الصحافة

في 18 سبتمبر 2001 أُغلقت كلُّ الصحف المستقلة واعتُقل الصحفيون؛ ومنذ سنوات تتذيّل إريتريا مؤشرَ حرية الصحافة العالمي، حتى خلف كوريا الشمالية.

اقرأ المقال
٠٥

مجموعةُ الـ15

في سبتمبر 2001 اعتُقل قادةٌ ومقاتلون قدامى طالبوا بالإصلاح وتطبيق الدستور؛ اختفوا في سجونٍ سرية بلا محاكمة، وما يزال مصيرُ كثيرين منهم مجهولاً.

اقرأ المقال
٠٦

سجونٌ تحت الأرض

آلاف المعتقلين بلا تهمةٍ ولا قضاء، في زنازين تحت الأرض وحاوياتٍ معدنية تحت الشمس؛ والتعذيبُ ممارسةٌ ممنهجة بحسب الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.

اقرأ المقال
٠٧

شعبٌ في المنافي

مئاتُ الآلاف فروا من الوطن؛ وكانت إريتريا لسنوات من أكبر مصادر اللاجئين في العالم قياساً إلى عدد سكانها، يخاطر شبابُها بالبحر والصحراء هرباً من الخدمة الأبدية.

اقرأ المقال
٠٨

دولةُ الرجل الواحد

لا إنترنت حر، لا جامعات مستقلة، لا أحزاب، لا نقابات.. دولةٌ يديرها حزبٌ واحد ورجلٌ واحد، والشعبُ من يدفع الثمن.

اقرأ المقال
«مسؤولون إريتريون ارتكبوا منذ 1991 جرائمَ قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية: استعباداً وسجناً واختفاءً قسرياً وتعذيباً واضطهاداً» — لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن إريتريا، 2016

المصادر: لجنة التحقيق الأممية بشأن إريتريا (2015–2016) · هيومن رايتس ووتش · منظمة العفو الدولية · مراسلون بلا حدود

ملفات ErOpp

مقالاتٌ وشهادات

قراءات معمّقة في مأساة الوطن: تواريخ ومفاصل كُتبت بالدم والصمت.

الخط الزمني · ستّون عاماً

من شرارة أدال.. إلى اليوم

ستّون عاماً بين أول طلقةٍ وآخر وعدٍ مؤجَّل. اختر سنةً من المسار لتقفز إليها، ومن كل محطةٍ رابطٌ إلى ملفها الكامل.

  1. 1961

    شرارةُ أدال

    في الأول من سبتمبر انطلقت الثورة المسلحة بطلقةٍ واحدة في أدال، فبدأت ثلاثون عاماً من الكفاح ضد الحكم الإثيوبي.

  2. 1991

    التحريرُ ودخولُ أسمرا

    بعد ثلاثة أجيالٍ من القتال سقط نظام منغستو ودخلت جبهة التحرير أسمرا. قدّم الشعبُ نحو 65 ألف شهيد، ووُعِد بدستورٍ خلال أربع سنوات.

    اقرأ: دستورٌ في الأدراج
  3. 1993

    الاستقلالُ بالاستفتاء

    استفتاءٌ أشرفت عليه الأمم المتحدة صوّت فيه الإريتريون بكثافةٍ للانفصال، فاعترف العالم بإريتريا دولةً مستقلة ذات سيادة.

    اقرأ: لا انتخابات.. أبداً
  4. 1995

    قانونُ الخدمة الوطنية

    أُقرّت الخدمة الوطنية مدّة ثمانية عشر شهراً: سنةٌ تدريباً وسنةٌ في البناء. لم يكن أحدٌ يتخيّل أنها ستبتلع عمراً كاملاً.

    اقرأ: خدمةٌ وطنية بلا نهاية
  5. 1997

    دستورٌ يُقرّ ولا يُنفَّذ

    جمعيةٌ تأسيسية تُقرّ دستورياً صاغته مشاورات شعبية منذ 1994: تعدديةٌ حزبية، وفصلُ سلطات، وانتخاباتٌ دورية. لم يُطبَّق منه بندٌ واحد حتى اليوم.

    اقرأ: الوطن الذي لم يُسمح له أن يولد
  6. 1998–2000

    حربُ الحدود مع إثيوبيا

    حربٌ أودت بعشرات الآلاف من الطرفين، وأعادت البلاد إلى منطق الطوارئ، ووفّرت الذريعة الأبدية لتأجيل الدستور.

  7. 2001

    ١٨ سبتمبر.. اليوم الذي أُسكتت فيه الكلمة

    اعتقال مجموعة الـ15 من داخل السلطة، وإغلاق جميع الصحف المستقلة في ليلةٍ واحدة، ومنع الصحافة الأجنبية. هنا تحديدًا انتهى الربيع الإريتري.

    اقرأ: مجموعةُ الـ15 اقرأ: مقبرةُ الصحافة
  8. 2015

    ذروةُ النزوح

    الأمم المتحدة تُقدّر خروج نحو خمسة آلاف إريتري شهرياً من بلدٍ لا يتجاوز سكانه ستة ملايين — من أكبر نسب اللجوء في العالم.

    اقرأ: شعبٌ في المنافي
  9. 2016

    لجنةُ التحقيق الأممية

    لجنة تحقيق تابعة لمجلس حقوق الإنسان توثّق الاستعباد والاختفاء القسري والتعذيب الممنهج، وتخلص إلى أن الأفعال قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

    اقرأ: سجونٌ تحت الأرض
  10. 2018

    سلامٌ بلا انفتاح

    اتفاقُ سلامٍ مع إثيوبيا أنهى حالة الحرب، لكن الانفتاح الموعود داخل إريتريا لم يحدث: لا دستور، ولا انتخابات، ولا إفراجٍ عن معتقل.

  11. 2020–2022

    حربُ تيجراي

    شاركت القوات الإريترية في الحرب داخل إثيوبيا، ووثّقت منظماتٌ أممية انتهاكاتٍ ضد المدنيين، فيما بقي شبانُ إريتريا يُساقون إلى الجبهة بلا نهاية.

  12. اليوم

    ربعُ قرنٍ بلا دستور

    عقودٌ على آخر وعدٍ بالانتخابات، والخدمة الوطنية ما تزال مفتوحة، والصحافة ما تزال في السجون. المشكلة لم تعد أشخاصاً.. بل نظاماً كاملاً.

    اقرأ: دولةُ الرجل الواحد

الصفحة الثالثة · النصرة

ساندْ صوتَ الحقيقة

هذه المنصة مستقلة يقوم عليها متطوعون. دعمُك يساعدنا على أرشفة قصص الشهداء، وتوثيق الانتهاكات، وترجمة التقارير، وإيصال صوت المظلومين إلى العالم. كلُّ مساهمةٍ — مهما صغُرت — شعلةٌ جديدة في جدار النور.

التبرع والدعم يتم حالياً عبر قناتنا على Telegram، وأخبار المنصة ومقالاتها تُنشر على إنستجرام وفيسبوك وتيك توك.

أرشيف ErOpp · اثنا عشر ملفاً

الملفاتُ كاملةً

اضغط على أي عنوانٍ لتقرأ ملفه كاملاً هنا في الصفحة، وشاركه إن رأيتَ فيه شهادةً تُروى.

دستورٌ في الأدراج
ملفٌّ مغلقٌ بشريطٍ أحمر وشمعةٍ منسيٌّ في درجِ مكتبٍ حكوميٍّ مهجور

بعد الاستقلال شُكّلت الجمعية التأسيسية، وفي عام 1994 جالت لجنةٌ دستورية القرى والمدن والمنافي تجمع مقترحات الناس، فأُنجز الدستور وصودق عليه في مايو 1997: تعدديةٌ حزبية، وفصلٌ بين السلطات، وحرياتٌ مكفولة، وانتخاباتٌ دورية.

لم يُنفَّذ منه بندٌ واحد. أُعلن أن حرب الحدود مع إثيوبيا (1998–2000) «أجّلت» إعلانه، ثم صار التأجيلُ نفسُه هو الدستور الفعلي للبلاد: لا محكمةٌ دستورية تفسّر، ولا قضاءٌ مستقل يفصل، ولا برلمانٌ يشرّع أو يحاسب.

والنتيجة أن الحكم قائمٌ على مزاج الشخص لا على نصٍّ مكتوب؛ فالمجلس الوطني لم ينعقد بانتظام منذ 2001، والقرارات المصيرية — من الحرب إلى السلام إلى مصير جيلٍ كامل — تصدر من مكتبٍ واحد.

شعبٌ دفع ثلاثين سنة من الدماء ثمناً لوطنٍ يحكمه القانون، فإذا به يُحكم بلا قانون. لهذا نقول: إعادةُ الدستور إلى الحياة ليست ترفاً قانونياً، بل أولُ خطوةٍ في طريق الخلاص.

لا انتخابات.. أبداً
صندوقُ اقتراعٍ زجاجيٌّ مقفلٌ بالشائكِ وطابورُ ناخبينَ خلفَ الباب

منذ إعلان الاستقلال عام 1993 لم تعرف إريتريا انتخاباتٍ رئاسية ولا تشريعية واحدة. ما جرى كان انتخاباتِ انتقالٍ محدود عام 1993، ثم انتخاباتٌ محلية عام 2000 أُلغيت هي الأخرى، وقُطع المسار كله.

والأمر اللافت أن النظام أقرّ بنفسه دستوراً عام 1997 ينصّ صراحةً على انتخاباتٍ كل خمس سنوات وعلى حدٍّ زمني لولاية الرئيس. تجاوز أسياس أفورقي هذا النص ثلاثة عقودٍ كاملة، فبقي رئيساً بلا تفويضٍ شعبي متجدّد منذ أكثر من ثلاثين عاماً.

ولا يوجد مرشحٌ معارض ينتظر صندوقاً، لأن الأحزاب محظورةٌ عملياً، والصحافة مقيدة، والاجتماع العام ممنوع. فالانتخابات لم تُلغَ بقرارٍ معلن.. بل أُفرغ الوطن كلُّه من إمكانية إجرائها.

وحين يصوّت الشعب بأقدامه هرباً بالآلاف كل شهر، فذلك أوضح بيانٍ انتخابي في العالم: شرعيةٌ فقدت كل صناديقها، ولم يبقَ لها سوى الخوف.

خدمةٌ وطنية بلا نهاية
حذاءٌ عسكريٌّ مثقوبٌ وزيٌّ مطويٌّ على مقطورةٍ وطريقٌ لا نهايةَ له

أُقرّت الخدمة الوطنية عام 1995 مدّةً قدرها ثمانية عشر شهراً: سنةٌ تدريباً وسنةٌ مساهمةً في البناء. لكن حرب 1998 فتحت الباب على مصراعيه، فتحولت إلى تجنيدٍ مفتوح بلا تاريخ انتهاء، فبقي جيلٌ كامل في المعسكرات.

الطالب في الصف الثاني عشر يُقتاد إلى معسكر ساوا، ومنه إلى الوحدات أو مشاريع الدولة أو مزارع الجيش، براتبٍ رمزي لا يسدّ جوعاً. ومن يتأخر أو يتغيب يُعتقل، وتُطوّق الأحياء والأسواق في مداهماتٍ يسمّيها الناس «جيفّا».

لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة (2015–2016) خلصت إلى أن هذا النظام يرقى إلى «الاستعباد»، ووثّقت العملَ القسري المفتوح الأمد تحت تهديد السجن والتعذيب، وأوامرَ بإطلاق النار على من يحاول عبور الحدود.

هكذا تُسرَق أعمارٌ كاملة باسم الواجب: لا عمرٌ للدراسة، ولا للزواج، ولا للحلم. الوطن الذي حرّره الشباب صار سجناً يحرسه الشباب.. والعمر كلُّه «خدمة» لا تنتهي إلا بالفرار أو بالقبر.

مقبرةُ الصحافة
آلةٌ كاتبةٌ مدفونةٌ في الترابِ ونظارةٌ مكسورةٌ وزهرةٌ ذابلة

بعد تحرير 1991 عرفت إريتريا نافذةً إعلامية نسبية: صحفٌ حكومية وأخرى مستقلة تصدر بالتيغرينية والعربية والإنجليزية، تنتقد الوزراء والمسؤولين المحليين وتفتح ملفات الفساد. استمرت النافذة قرابة عشر سنوات.

في 18 سبتمبر 2001 أُغلقت جميع الصحف المستقلة دفعةً واحدة — «ميتسياس» و«زمن» و«عداليس» و«سيتيت» وغيرها — واعتُقل ناشروها ومحرروها، ومُنعت الصحافة الأجنبية من دخول البلاد. ومنذ ذلك اليوم لا توجد صحيفةٌ مستقلة واحدة في إريتريا.

وثّقت منظماتٌ حقوقية وفاة عددٍ من الصحفيين داخل الحجز، وما يزال الصحفي السويدي-الإريتري داويت إسحاق معتقلاً منذ 2001 دون تهمةٍ ولا محاكمة، في واحدة من أطول قضايا اعتقال الصحفيين في العالم.

واليوم تتذيّل إريتريا مؤشر «مراسلون بلا حدود» لحرية الصحافة سنوياً، متأخرةً حتى عن كوريا الشمالية في بعض المواسم. بلدٌ لا يُسمح فيه بالكلمة.. بلدٌ يُدار بالصمت.

مجموعةُ الـ15
طاولةُ اجتماعٍ طويلةٌ ومقاعدُ مقلوبةٌ تحتَ مصباحٍ واحد

في ربيع وصيف 2001 رفع خمسة عشر من قيادات الدولة وحركة التحرير — وزراءٌ سابقون وقادةٌ ميدانيون وأبطالٌ من الصف الأول للقتال، ومنهم من قاتل إلى جانب أسياس أفورقي نفسه منذ 1961 — رسائلَ مفتوحة تطالب بتطبيق الدستور، وإطلاق الحريات، ومحاسبة المقصّرين في إدارة حرب 1998.

كان الرد في فجر 18 سبتمبر 2001: بدأت موجةُ اعتقالاتٍ طالت أغلب الموقعين، نُقلوا إلى زنازين انفرادية وسجونٍ سرية، بلا تهمةٍ معلنة، ولا محامٍ، ولا محاكمة، ولا علم لعائلاتهم بمكان احتجازهم.

ما يزال مصير أكثرهم مجهولاً رسمياً حتى اليوم. أعلنت الحكومة وفاة محمد سعيد ناود في المعتقل عام 2004 «بسبب أزمة قلبية»، ورجّحت تقارير حقوقية وفاة عددٍ آخر خلف القضبان، فيما حُكم على من نجا بالهرب غيابياً.

لم يكن هؤلاء معارضين من الخارج، بل شركاءَ في الثورة وفي الحكم. وهذه هي الحقيقة التي يهرب منها النظام: أخطر ما هددَ حكمَ الرجل الواحد جاء من داخله.. ودُفن أصحابه في الصحراء.

سجونٌ تحت الأرض
حاويةُ شحنٍ مدفونةٌ في الصحراءِ وسلالمُ إسمنتٍ تنزلُ إلى الظلام

لا تملك إريتريا سجلاً معلناً لمعتقليها، ولا قضاءً ينظر في قضاياهم. جهازُ الأمن يعتقل وينفرد بالاحتجاز، وأغلب المحتجزين لا يرون قاضياً إطلاقاً، ومن يُعرض منهم يخضع لمحاكم عسكرية استثنائية لا تستوفي أدنى معايير المحاكمة العادلة.

وثّقت لجنة التحقيق الأممية أشكالاً من الاحتجاز تُنذر بالخطر: زنازين محفورةٌ تحت الأرض في عصب وعتال ومصوع وأسمرا، وحاوياتٌ معدنية تخنق صيفاً وتُجمّد شتاءً، وغرفٌ ضيقة يُكدَّس فيها العشرات بلا فراش ولا تهوية ولا دورات مياه.

أما التعذيب فوصفته اللجنة بأنه ممارسةٌ ممنهجة لا حوادث فردية: ضربٌ مبرح، وتعليقٌ من السقف لساعات، ومنعُ النوم، والحرمان من العلاج حتى الموت. وخلصت إلى أن هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

والأخطر أن الاعتقال يطال الأهالي: تُعتقل عائلاتٌ كاملة للضغط على ابنٍ هرب من الخدمة الوطنية، وتُفرض غراماتٌ على من يسأل عن مصير معتقله. السجن في إريتريا ليس مصيراً للمدانين.. بل أداةُ حكمٍ قائمة.

شعبٌ في المنافي
عائلةٌ تمشي ظهرُها إلى الكاميرا على طريقٍ متشقّقٍ نحو الحدود

فرّ مئات الآلاف من الإريتريين خلال العقدين الماضيين. في عام 2015 وحده قدّرت الأمم المتحدة خروج نحو خمسة آلاف شخص شهرياً من بلدٍ لا يتجاوز سكانه ستة ملايين — نسبةٌ جعلت إريتريا من أكبر دول العالم تصديراً للاجئين قياساً إلى عدد السكان.

المهجر الأقرب هو السودان وإثيوبيا حيث تنتشر مخيماتٌ تستضيف ملايين منذ 1998. لكن المأساة الأعمق تقع على الطرق: صحراء سيناء حيث وثّقت المنظمات جرائم خطفٍ وتعذيبٍ مقابل فدية من تجار بشر استغلوا يأس الفارّين، ثم قوارب المتوسط التي ابتلعت الآلاف.

وفي المنفى لا يفلت المواطن من يد الدولة: ضريبةُ «التنمية» البالغة 2% تُجبى على دخل العاملين في الخارج، وتُربط الخدمات القنصلية — تجديد الجوازات وتسجيل المواليد وحتى دفن الموتى — بدفعها، وهي ممارسة أدانها مجلس الأمن الدولي مراراً.

الشعب الإريتري لم يختر المنفى؛ دُفع إليه دفعاً. وكلُّ غريقٍ في البحر، وشابٍ يذوي في معبر، هو شهادةُ ادعاءٍ صامتة على ربع قرنٍ من الحكم بلا دستور. الوطن لم يُغادر.. بل طُرد مؤقتاً، وسيعود.

دولةُ الرجل الواحد
كرسيٌّ ضخمٌ فارغٌ على منصّةٍ أمامَ صفوفٍ من الكراسي الخالية

منذ 1993 يقود أسياس أفورقي إريتريا رئيساً، ومنذ 2001 أُغلقت كل مساحات المشاركة واحدةً تلو الأخرى: الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا حزبٌ وحيد مهيمن، والبرلمان معطّل، والنقابات والجمعيات تحت الوصاية، والاجتماع العام محظور بلا إذنٍ أمني.

وعلى مستوى الحياة اليومية: لا إنترنت حر ولا إعلام مستقل، والاتصال خاضعٌ للمراقبة والتفتيش، والجامعات يُلزم معظم طلابها بالخدمة الوطنية، والاقتصاد يهيمن عليه الجيش والحزب ومشاريع لا تخضع لميزانيةٍ معلنة ولا لرقابة.

وفي القمة رجلٌ واحد لا يُسأل أمام أحد: لا دستور نافذ، ولا محكمة دستورية، ولا انتخابات، ولا صحافة. قراراتُ حربٍ وسلامٍ ومجاعة تُتخذ في غرفةٍ واحدة، والشعبُ من يدفع الثمن في عمره ودمه ورزقه.

لهذا تصرّ منظمات حقوق الإنسان والقوى الديمقراطية على أن المشكلة ليست أشخاصاً فحسب، بل نظامٌ كامل؛ وأن الحل ليس استبدال رجلٍ برجل، بل استبدال الحكم الفردي بدولة القانون والدستور.

18 سبتمبر 2001 — اليوم الذي أُسكتت فيه الكلمة
ميكروفونٌ إذاعيٌّ محطّمٌ وشريطُ كاسيتَ ممزّقٌ وبرجُ بثٍّ يبتلعُهُ الظلام

بعد حرب الحدود مع إثيوبيا (1998–2000) التي أودت بعشرات الآلاف، خرج من داخل جبهة الحكم نفسها من يقول: كفى. خمسة عشر قيادياً — وزراء وقادة ميدانيون ورفاق دربٍ للرئيس نفسه — وقّعوا رسائل مفتوحة تطالب بتطبيق الدستور وإجراء انتخابات ومحاسبة المقصّرين في الحرب.

كان ردُّ أسياس أفورقي أن أمر في فجر 18 سبتمبر 2001 باعتقال أحد عشر منهم، وإغلاق جميع الصحف المستقلة دفعة واحدة — «ميتسياس» و«زمن» و«عداليس» و«سيتيت» وغيرها — واعتقال ناشريها ومحرريها.

منذ ذلك اليوم لم يُعرض أيٌّ من المعتقلين على قضاء، ولم تُوجَّه إليهم تهمةٌ معلنة. ورجّحت تقارير حقوقية وفاة عدد منهم في المعتقل، فيما ما يزال الصحفي السويدي-الإريتري داويت إسحاق محتجزاً منذ 2001 دون محاكمة، في واحدة من أطول قضايا اعتقال الصحفيين في العالم.

والنتيجة اليوم: لا صحيفة مستقلة واحدة في البلاد، وإريتريا تتذيّل مؤشر مراسلون بلا حدود لحرية الصحافة منذ سنوات، متأخرةً حتى عن كوريا الشمالية في بعض المواسم. لقد أُسكتت الكلمة في يومٍ واحد.. وما زال الصمت قائماً منذ ربع قرن.

ساوا.. حيث تُسرق الأعمار
صفٌّ من الفتيةِ يبتعدونَ في سهلٍ مجدبٍ وحقيبةُ مدرسةٍ ممزّقةٌ وأقلامٌ مكسورة

حين أُقرّت الخدمة الوطنية عام 1995 كانت مدتها ثمانية عشر شهراً. لكن حرب 1998 فتحت الباب لتحويلها إلى تجنيدٍ مفتوح بلا نهاية: جيلٌ كامل يُقتاد في الصف الثاني عشر إلى معسكر ساوا، ومنه إلى الخنادق أو المزارع أو مشاريع الدولة، برواتب رمزية لا تسدّ جوعاً.

لجنة التحقيق الأممية وصفت هذا النظام بأنه يرقى إلى الاستعباد: عملٌ قسري مفتوح الأمد، تحت تهديد السجن والتعذيب، في مخالفة صريحة للقانون الدولي.

وفي المدن تجري مداهمات يسمّيها الناس «جيفّا»: طوقٌ أمني على حيٍّ أو سوق، وكل شاب لا يحمل ورقة إعفاء يُنقل مكبّلاً إلى المعسكرات. أما من يحاول عبور الحدود، فقد وثّقت الأمم المتحدة أوامرَ بإطلاق النار على الفارّين.

هكذا تحوّل الوطن الذي حرّره الشباب إلى سجنٍ يحرس الشبابَ أنفسهم؛ فلا عمرَ للدراسة، ولا عمرَ للزواج، ولا عمرَ للحلم.. العمر كلُّه «واجبٌ وطني» لا ينتهي إلا بالفرار أو بالقبر.

دستور 1997.. الوطن الذي لم يُسمح له أن يولد
وثيقةٌ مختومةٌ داخلَ قوسٍ زجاجيٍّ مغبرٍّ وورقةٌ خضراءَ تحاولُ النموّ

عام 1994 شُكّلت لجنة دستورية برئاسة القانوني المرموق بركت هبتى سلاسي، جالت في قرى إريتريا ومنافيها تستشير الناس، حتى أُقرّ الدستور في مايو 1997: تعدديةٌ حزبية، وفصل سلطات، وانتخابات دورية، وصحافة حرة.

لم يُطبَّق بندٌ واحد منه. قيل إن حرب 1998 «أجّلت» التنفيذ، ثم قيل إن «الوقت غير مناسب».. حتى صار التأجيل نفسُه هو الدستور الفعلي للبلاد.

واليوم: لا برلمان فعلي — فالمجلس الوطني لم ينعقد منذ سنوات طويلة — ولا محكمة دستورية، ولا حزب غير الجبهة الشعبية، ولا رئيس يُسأل أمام أحد. أما بركت هبتى سلاسي نفسه، صاحب الدستور، فقد مات منفياً بعد أن رأى حلمه يُرفَس.

شعبٌ دفع ثلاثين سنة من الدماء ثمناً لوطنٍ يحكمه القانون، فإذا به يُحكم بمزاج رجل. لهذا نقول: معركة الدستور لم تمت.. بل تنتظر جيلاً يسترجعها.

الخروج الكبير.. شعبٌ يصوّت بأقدامه
ظلالُ عائلاتٍ تعبرُ جسرًا ليلًا نحوَ ضوءٍ بعيد

لا يحتاج المرء إلى استطلاع رأي ليعرف حكم الإريتريين على واقعهم؛ يكفي أن يرى الطوابير على الحدود. فقد فرّ مئات الآلاف خلال العقدين الماضيين، حتى صارت إريتريا من أكبر دول العالم تصديراً للاجئين قياساً إلى عدد سكانها، وقدّرت الأمم المتحدة في ذروة الأزمة (2015) خروجَ نحو خمسة آلاف شخص شهرياً.

وطريق الفرار محفوفٌ بالموت: صحراء سيناء حيث وثّقت المنظمات الحقوقية جرائمَ الاتجار بالبشر والتعذيب مقابل الفدية، ثم قوارب المتوسط التي ابتلعت الآلاف.

وبدل أن يسأل النظام نفسه لماذا يهرب شبابه، حوّل المأساة إلى مورد: ضريبة «2%» تُفرض على أبناء المهجر مقابل خدمات القنصليات، وهي ممارسة أدانها مجلس الأمن الدولي مراراً.

إن كل قارب يغرق، وكل شاب يذوي في معسكر، هو استفتاءٌ صامت على ربع قرن من الحكم بلا دستور. الشعب لم يغادر وطنه.. الوطن هو الذي طُرد مؤقتاً، وسيعود.

انضم إلينا