ثلاثون عاماً من الكفاح المسلّح روت فيها دماءُ الأبطال جبالَ إريتريا ووديانَها، حتى انكسرَ القيدُ وارتفعَ العلم. هذه الصفحات وفاءٌ لمن مضوا، وشهادةٌ على ما يجري، ويدٌ ممدودةٌ لمن بقي.
من شرارة أدال الأولى عام 1961 إلى تحرير أسمرا عام 1991، قدّم الشعبُ الإريتري قوافلَ من الشهداء: مقاتلون ومدنيون، رجالٌ ونساء، شبابٌ في عمر الزهور. لم يستشهدوا ليُحكمَ الوطنُ بالخوف، بل ليعيشَ أبناؤه أحراراً كرماء.
٠عاماً من الكفاح المسلّح
٠شهيدٍ في سبيل التحرير
٠عامَ تحريرِ الأرض
«ومن ماتَ مدافعاً عن أرضِه وكرامةِ شعبِه لم يمُت.. بل وُلِدَ في قلبِ كلِّ حرٍّ من جديد»
جدارُ النور — أشعلنا هذه الشموعَ عددَ ما أطفأ الظلمُ من بيوت.. وكلُّ شعلةٍ تقول: لن ننسى
الصفحة الثانية · الحقيقة
عندما انقلبَ الجلّادُ على ثورةِ شعبِه
حملَ الإريتريون السلاحَ ثلاثين عاماً ضد المحتل، فإذا بالقيدِ يعود.. وهذه المرة بأيدي رفاقِ الأمس. منذ عام 1991 يحكم أسياس أفورقي البلادَ بلا دستورٍ ولا انتخاباتٍ ولا صحافة، حتى صار وطنُ الشهداء في وصف كثيرين «السجنَ المفتوح».
«مسؤولون إريتريون ارتكبوا منذ 1991 جرائمَ قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية: استعباداً وسجناً واختفاءً قسرياً وتعذيباً واضطهاداً»
— لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن إريتريا، 2016
المصادر: لجنة التحقيق الأممية بشأن إريتريا (2015–2016) · هيومن رايتس ووتش · منظمة العفو الدولية · مراسلون بلا حدود
ملفات ErOpp
مقالاتٌ وشهادات
قراءات معمّقة في مأساة الوطن: تواريخ ومفاصل كُتبت بالدم والصمت.
هذه المنصة مستقلة يقوم عليها متطوعون. دعمُك يساعدنا على أرشفة قصص الشهداء، وتوثيق الانتهاكات، وترجمة التقارير، وإيصال صوت المظلومين إلى العالم. كلُّ مساهمةٍ — مهما صغُرت — شعلةٌ جديدة في جدار النور.
التبرع والدعم يتم حالياً عبر قناتنا على Telegram، وأخبار المنصة ومقالاتها تُنشر على إنستجرام وفيسبوك وتيك توك.
أرشيف ErOpp · اثنا عشر ملفاً
الملفاتُ كاملةً
اضغط على أي عنوانٍ لتقرأ ملفه كاملاً هنا في الصفحة، وشاركه إن رأيتَ فيه شهادةً تُروى.
دستورٌ في الأدراج
بعد الاستقلال شُكّلت الجمعية التأسيسية، وفي عام 1994 جالت لجنةٌ دستورية القرى والمدن والمنافي تجمع مقترحات الناس، فأُنجز الدستور وصودق عليه في مايو 1997: تعدديةٌ حزبية، وفصلٌ بين السلطات، وحرياتٌ مكفولة، وانتخاباتٌ دورية.
لم يُنفَّذ منه بندٌ واحد. أُعلن أن حرب الحدود مع إثيوبيا (1998–2000) «أجّلت» إعلانه، ثم صار التأجيلُ نفسُه هو الدستور الفعلي للبلاد: لا محكمةٌ دستورية تفسّر، ولا قضاءٌ مستقل يفصل، ولا برلمانٌ يشرّع أو يحاسب.
والنتيجة أن الحكم قائمٌ على مزاج الشخص لا على نصٍّ مكتوب؛ فالمجلس الوطني لم ينعقد بانتظام منذ 2001، والقرارات المصيرية — من الحرب إلى السلام إلى مصير جيلٍ كامل — تصدر من مكتبٍ واحد.
شعبٌ دفع ثلاثين سنة من الدماء ثمناً لوطنٍ يحكمه القانون، فإذا به يُحكم بلا قانون. لهذا نقول: إعادةُ الدستور إلى الحياة ليست ترفاً قانونياً، بل أولُ خطوةٍ في طريق الخلاص.
لا انتخابات.. أبداً
منذ إعلان الاستقلال عام 1993 لم تعرف إريتريا انتخاباتٍ رئاسية ولا تشريعية واحدة. ما جرى كان انتخاباتِ انتقالٍ محدود عام 1993، ثم انتخاباتٌ محلية عام 2000 أُلغيت هي الأخرى، وقُطع المسار كله.
والأمر اللافت أن النظام أقرّ بنفسه دستوراً عام 1997 ينصّ صراحةً على انتخاباتٍ كل خمس سنوات وعلى حدٍّ زمني لولاية الرئيس. تجاوز أسياس أفورقي هذا النص ثلاثة عقودٍ كاملة، فبقي رئيساً بلا تفويضٍ شعبي متجدّد منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
ولا يوجد مرشحٌ معارض ينتظر صندوقاً، لأن الأحزاب محظورةٌ عملياً، والصحافة مقيدة، والاجتماع العام ممنوع. فالانتخابات لم تُلغَ بقرارٍ معلن.. بل أُفرغ الوطن كلُّه من إمكانية إجرائها.
وحين يصوّت الشعب بأقدامه هرباً بالآلاف كل شهر، فذلك أوضح بيانٍ انتخابي في العالم: شرعيةٌ فقدت كل صناديقها، ولم يبقَ لها سوى الخوف.
خدمةٌ وطنية بلا نهاية
أُقرّت الخدمة الوطنية عام 1995 مدّةً قدرها ثمانية عشر شهراً: سنةٌ تدريباً وسنةٌ مساهمةً في البناء. لكن حرب 1998 فتحت الباب على مصراعيه، فتحولت إلى تجنيدٍ مفتوح بلا تاريخ انتهاء، فبقي جيلٌ كامل في المعسكرات.
الطالب في الصف الثاني عشر يُقتاد إلى معسكر ساوا، ومنه إلى الوحدات أو مشاريع الدولة أو مزارع الجيش، براتبٍ رمزي لا يسدّ جوعاً. ومن يتأخر أو يتغيب يُعتقل، وتُطوّق الأحياء والأسواق في مداهماتٍ يسمّيها الناس «جيفّا».
لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة (2015–2016) خلصت إلى أن هذا النظام يرقى إلى «الاستعباد»، ووثّقت العملَ القسري المفتوح الأمد تحت تهديد السجن والتعذيب، وأوامرَ بإطلاق النار على من يحاول عبور الحدود.
هكذا تُسرَق أعمارٌ كاملة باسم الواجب: لا عمرٌ للدراسة، ولا للزواج، ولا للحلم. الوطن الذي حرّره الشباب صار سجناً يحرسه الشباب.. والعمر كلُّه «خدمة» لا تنتهي إلا بالفرار أو بالقبر.
مقبرةُ الصحافة
بعد تحرير 1991 عرفت إريتريا نافذةً إعلامية نسبية: صحفٌ حكومية وأخرى مستقلة تصدر بالتيغرينية والعربية والإنجليزية، تنتقد الوزراء والمسؤولين المحليين وتفتح ملفات الفساد. استمرت النافذة قرابة عشر سنوات.
في 18 سبتمبر 2001 أُغلقت جميع الصحف المستقلة دفعةً واحدة — «ميتسياس» و«زمن» و«عداليس» و«سيتيت» وغيرها — واعتُقل ناشروها ومحرروها، ومُنعت الصحافة الأجنبية من دخول البلاد. ومنذ ذلك اليوم لا توجد صحيفةٌ مستقلة واحدة في إريتريا.
وثّقت منظماتٌ حقوقية وفاة عددٍ من الصحفيين داخل الحجز، وما يزال الصحفي السويدي-الإريتري داويت إسحاق معتقلاً منذ 2001 دون تهمةٍ ولا محاكمة، في واحدة من أطول قضايا اعتقال الصحفيين في العالم.
واليوم تتذيّل إريتريا مؤشر «مراسلون بلا حدود» لحرية الصحافة سنوياً، متأخرةً حتى عن كوريا الشمالية في بعض المواسم. بلدٌ لا يُسمح فيه بالكلمة.. بلدٌ يُدار بالصمت.
مجموعةُ الـ15
في ربيع وصيف 2001 رفع خمسة عشر من قيادات الدولة وحركة التحرير — وزراءٌ سابقون وقادةٌ ميدانيون وأبطالٌ من الصف الأول للقتال، ومنهم من قاتل إلى جانب أسياس أفورقي نفسه منذ 1961 — رسائلَ مفتوحة تطالب بتطبيق الدستور، وإطلاق الحريات، ومحاسبة المقصّرين في إدارة حرب 1998.
كان الرد في فجر 18 سبتمبر 2001: بدأت موجةُ اعتقالاتٍ طالت أغلب الموقعين، نُقلوا إلى زنازين انفرادية وسجونٍ سرية، بلا تهمةٍ معلنة، ولا محامٍ، ولا محاكمة، ولا علم لعائلاتهم بمكان احتجازهم.
ما يزال مصير أكثرهم مجهولاً رسمياً حتى اليوم. أعلنت الحكومة وفاة محمد سعيد ناود في المعتقل عام 2004 «بسبب أزمة قلبية»، ورجّحت تقارير حقوقية وفاة عددٍ آخر خلف القضبان، فيما حُكم على من نجا بالهرب غيابياً.
لم يكن هؤلاء معارضين من الخارج، بل شركاءَ في الثورة وفي الحكم. وهذه هي الحقيقة التي يهرب منها النظام: أخطر ما هددَ حكمَ الرجل الواحد جاء من داخله.. ودُفن أصحابه في الصحراء.
سجونٌ تحت الأرض
لا تملك إريتريا سجلاً معلناً لمعتقليها، ولا قضاءً ينظر في قضاياهم. جهازُ الأمن يعتقل وينفرد بالاحتجاز، وأغلب المحتجزين لا يرون قاضياً إطلاقاً، ومن يُعرض منهم يخضع لمحاكم عسكرية استثنائية لا تستوفي أدنى معايير المحاكمة العادلة.
وثّقت لجنة التحقيق الأممية أشكالاً من الاحتجاز تُنذر بالخطر: زنازين محفورةٌ تحت الأرض في عصب وعتال ومصوع وأسمرا، وحاوياتٌ معدنية تخنق صيفاً وتُجمّد شتاءً، وغرفٌ ضيقة يُكدَّس فيها العشرات بلا فراش ولا تهوية ولا دورات مياه.
أما التعذيب فوصفته اللجنة بأنه ممارسةٌ ممنهجة لا حوادث فردية: ضربٌ مبرح، وتعليقٌ من السقف لساعات، ومنعُ النوم، والحرمان من العلاج حتى الموت. وخلصت إلى أن هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
والأخطر أن الاعتقال يطال الأهالي: تُعتقل عائلاتٌ كاملة للضغط على ابنٍ هرب من الخدمة الوطنية، وتُفرض غراماتٌ على من يسأل عن مصير معتقله. السجن في إريتريا ليس مصيراً للمدانين.. بل أداةُ حكمٍ قائمة.
شعبٌ في المنافي
فرّ مئات الآلاف من الإريتريين خلال العقدين الماضيين. في عام 2015 وحده قدّرت الأمم المتحدة خروج نحو خمسة آلاف شخص شهرياً من بلدٍ لا يتجاوز سكانه ستة ملايين — نسبةٌ جعلت إريتريا من أكبر دول العالم تصديراً للاجئين قياساً إلى عدد السكان.
المهجر الأقرب هو السودان وإثيوبيا حيث تنتشر مخيماتٌ تستضيف ملايين منذ 1998. لكن المأساة الأعمق تقع على الطرق: صحراء سيناء حيث وثّقت المنظمات جرائم خطفٍ وتعذيبٍ مقابل فدية من تجار بشر استغلوا يأس الفارّين، ثم قوارب المتوسط التي ابتلعت الآلاف.
وفي المنفى لا يفلت المواطن من يد الدولة: ضريبةُ «التنمية» البالغة 2% تُجبى على دخل العاملين في الخارج، وتُربط الخدمات القنصلية — تجديد الجوازات وتسجيل المواليد وحتى دفن الموتى — بدفعها، وهي ممارسة أدانها مجلس الأمن الدولي مراراً.
الشعب الإريتري لم يختر المنفى؛ دُفع إليه دفعاً. وكلُّ غريقٍ في البحر، وشابٍ يذوي في معبر، هو شهادةُ ادعاءٍ صامتة على ربع قرنٍ من الحكم بلا دستور. الوطن لم يُغادر.. بل طُرد مؤقتاً، وسيعود.
دولةُ الرجل الواحد
منذ 1993 يقود أسياس أفورقي إريتريا رئيساً، ومنذ 2001 أُغلقت كل مساحات المشاركة واحدةً تلو الأخرى: الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا حزبٌ وحيد مهيمن، والبرلمان معطّل، والنقابات والجمعيات تحت الوصاية، والاجتماع العام محظور بلا إذنٍ أمني.
وعلى مستوى الحياة اليومية: لا إنترنت حر ولا إعلام مستقل، والاتصال خاضعٌ للمراقبة والتفتيش، والجامعات يُلزم معظم طلابها بالخدمة الوطنية، والاقتصاد يهيمن عليه الجيش والحزب ومشاريع لا تخضع لميزانيةٍ معلنة ولا لرقابة.
وفي القمة رجلٌ واحد لا يُسأل أمام أحد: لا دستور نافذ، ولا محكمة دستورية، ولا انتخابات، ولا صحافة. قراراتُ حربٍ وسلامٍ ومجاعة تُتخذ في غرفةٍ واحدة، والشعبُ من يدفع الثمن في عمره ودمه ورزقه.
لهذا تصرّ منظمات حقوق الإنسان والقوى الديمقراطية على أن المشكلة ليست أشخاصاً فحسب، بل نظامٌ كامل؛ وأن الحل ليس استبدال رجلٍ برجل، بل استبدال الحكم الفردي بدولة القانون والدستور.
18 سبتمبر 2001 — اليوم الذي أُسكتت فيه الكلمة
بعد حرب الحدود مع إثيوبيا (1998–2000) التي أودت بعشرات الآلاف، خرج من داخل جبهة الحكم نفسها من يقول: كفى. خمسة عشر قيادياً — وزراء وقادة ميدانيون ورفاق دربٍ للرئيس نفسه — وقّعوا رسائل مفتوحة تطالب بتطبيق الدستور وإجراء انتخابات ومحاسبة المقصّرين في الحرب.
كان ردُّ أسياس أفورقي أن أمر في فجر 18 سبتمبر 2001 باعتقال أحد عشر منهم، وإغلاق جميع الصحف المستقلة دفعة واحدة — «ميتسياس» و«زمن» و«عداليس» و«سيتيت» وغيرها — واعتقال ناشريها ومحرريها.
منذ ذلك اليوم لم يُعرض أيٌّ من المعتقلين على قضاء، ولم تُوجَّه إليهم تهمةٌ معلنة. ورجّحت تقارير حقوقية وفاة عدد منهم في المعتقل، فيما ما يزال الصحفي السويدي-الإريتري داويت إسحاق محتجزاً منذ 2001 دون محاكمة، في واحدة من أطول قضايا اعتقال الصحفيين في العالم.
والنتيجة اليوم: لا صحيفة مستقلة واحدة في البلاد، وإريتريا تتذيّل مؤشر مراسلون بلا حدود لحرية الصحافة منذ سنوات، متأخرةً حتى عن كوريا الشمالية في بعض المواسم. لقد أُسكتت الكلمة في يومٍ واحد.. وما زال الصمت قائماً منذ ربع قرن.
ساوا.. حيث تُسرق الأعمار
حين أُقرّت الخدمة الوطنية عام 1995 كانت مدتها ثمانية عشر شهراً. لكن حرب 1998 فتحت الباب لتحويلها إلى تجنيدٍ مفتوح بلا نهاية: جيلٌ كامل يُقتاد في الصف الثاني عشر إلى معسكر ساوا، ومنه إلى الخنادق أو المزارع أو مشاريع الدولة، برواتب رمزية لا تسدّ جوعاً.
لجنة التحقيق الأممية وصفت هذا النظام بأنه يرقى إلى الاستعباد: عملٌ قسري مفتوح الأمد، تحت تهديد السجن والتعذيب، في مخالفة صريحة للقانون الدولي.
وفي المدن تجري مداهمات يسمّيها الناس «جيفّا»: طوقٌ أمني على حيٍّ أو سوق، وكل شاب لا يحمل ورقة إعفاء يُنقل مكبّلاً إلى المعسكرات. أما من يحاول عبور الحدود، فقد وثّقت الأمم المتحدة أوامرَ بإطلاق النار على الفارّين.
هكذا تحوّل الوطن الذي حرّره الشباب إلى سجنٍ يحرس الشبابَ أنفسهم؛ فلا عمرَ للدراسة، ولا عمرَ للزواج، ولا عمرَ للحلم.. العمر كلُّه «واجبٌ وطني» لا ينتهي إلا بالفرار أو بالقبر.
دستور 1997.. الوطن الذي لم يُسمح له أن يولد
عام 1994 شُكّلت لجنة دستورية برئاسة القانوني المرموق بركت هبتى سلاسي، جالت في قرى إريتريا ومنافيها تستشير الناس، حتى أُقرّ الدستور في مايو 1997: تعدديةٌ حزبية، وفصل سلطات، وانتخابات دورية، وصحافة حرة.
لم يُطبَّق بندٌ واحد منه. قيل إن حرب 1998 «أجّلت» التنفيذ، ثم قيل إن «الوقت غير مناسب».. حتى صار التأجيل نفسُه هو الدستور الفعلي للبلاد.
واليوم: لا برلمان فعلي — فالمجلس الوطني لم ينعقد منذ سنوات طويلة — ولا محكمة دستورية، ولا حزب غير الجبهة الشعبية، ولا رئيس يُسأل أمام أحد. أما بركت هبتى سلاسي نفسه، صاحب الدستور، فقد مات منفياً بعد أن رأى حلمه يُرفَس.
شعبٌ دفع ثلاثين سنة من الدماء ثمناً لوطنٍ يحكمه القانون، فإذا به يُحكم بمزاج رجل. لهذا نقول: معركة الدستور لم تمت.. بل تنتظر جيلاً يسترجعها.
الخروج الكبير.. شعبٌ يصوّت بأقدامه
لا يحتاج المرء إلى استطلاع رأي ليعرف حكم الإريتريين على واقعهم؛ يكفي أن يرى الطوابير على الحدود. فقد فرّ مئات الآلاف خلال العقدين الماضيين، حتى صارت إريتريا من أكبر دول العالم تصديراً للاجئين قياساً إلى عدد سكانها، وقدّرت الأمم المتحدة في ذروة الأزمة (2015) خروجَ نحو خمسة آلاف شخص شهرياً.
وطريق الفرار محفوفٌ بالموت: صحراء سيناء حيث وثّقت المنظمات الحقوقية جرائمَ الاتجار بالبشر والتعذيب مقابل الفدية، ثم قوارب المتوسط التي ابتلعت الآلاف.
وبدل أن يسأل النظام نفسه لماذا يهرب شبابه، حوّل المأساة إلى مورد: ضريبة «2%» تُفرض على أبناء المهجر مقابل خدمات القنصليات، وهي ممارسة أدانها مجلس الأمن الدولي مراراً.
إن كل قارب يغرق، وكل شاب يذوي في معسكر، هو استفتاءٌ صامت على ربع قرن من الحكم بلا دستور. الشعب لم يغادر وطنه.. الوطن هو الذي طُرد مؤقتاً، وسيعود.