دستورٌ في الأدراج
أُقرت مسودة الدستور عام 1997، وما زالت حبراً على ورق: لا فصلَ بين السلطات، ولا ضمانةَ للحريات، ولا سقفَ لصلاحيات الرجل الواحد.
إريتريا · 1961 — وما زالت الشعلة
ثلاثون عاماً من الكفاح المسلّح روت فيها دماءُ الأبطال جبالَ إريتريا ووديانَها، حتى انكسرَ القيدُ وارتفعَ العلم. هذه الصفحات وفاءٌ لمن مضوا، وشهادةٌ على ما يجري، ويدٌ ممدودةٌ لمن بقي.
الصفحة الأولى · الواجب
من شرارة أدال الأولى عام 1961 إلى تحرير أسمرا عام 1991، قدّم الشعبُ الإريتري قوافلَ من الشهداء: مقاتلون ومدنيون، رجالٌ ونساء، شبابٌ في عمر الزهور. لم يستشهدوا ليُحكمَ الوطنُ بالخوف، بل ليعيشَ أبناؤه أحراراً كرماء.
«ومن ماتَ مدافعاً عن أرضِه وكرامةِ شعبِه لم يمُت.. بل وُلِدَ في قلبِ كلِّ حرٍّ من جديد»
جدارُ النور — أشعلنا هذه الشموعَ عددَ ما أطفأ الظلمُ من بيوت.. وكلُّ شعلةٍ تقول: لن ننسى
الصفحة الثانية · الحقيقة
حملَ الإريتريون السلاحَ ثلاثين عاماً ضد المحتل، فإذا بالقيدِ يعود.. وهذه المرة بأيدي رفاقِ الأمس. منذ عام 1991 يحكم أسياس أفورقي البلادَ بلا دستورٍ ولا انتخاباتٍ ولا صحافة، حتى صار وطنُ الشهداء في وصف كثيرين «السجنَ المفتوح».
أُقرت مسودة الدستور عام 1997، وما زالت حبراً على ورق: لا فصلَ بين السلطات، ولا ضمانةَ للحريات، ولا سقفَ لصلاحيات الرجل الواحد.
منذ استقلال 1993 لم تشهد إريتريا انتخاباتٍ وطنية واحدة؛ يحكم أفورقي بلا تفويضٍ من صناديق الاقتراع منذ أكثر من ثلاثة عقود.
تجنيدٌ إجباري مفتوح الأمد وصفتْه لجنةُ التحقيق الأممية بأنه يرقى إلى الاستعباد؛ شبابٌ تذبل أعمارُهم في المعسكرات والأعمال القسرية.
في 18 سبتمبر 2001 أُغلقت كلُّ الصحف المستقلة واعتُقل الصحفيون؛ ومنذ سنوات تتذيّل إريتريا مؤشرَ حرية الصحافة العالمي، حتى خلف كوريا الشمالية.
في سبتمبر 2001 اعتُقل قادةٌ ومقاتلون قدامى طالبوا بالإصلاح وتطبيق الدستور؛ اختفوا في سجونٍ سرية بلا محاكمة، وما يزال مصيرُ كثيرين منهم مجهولاً.
آلاف المعتقلين بلا تهمةٍ ولا قضاء، في زنازين تحت الأرض وحاوياتٍ معدنية تحت الشمس؛ والتعذيبُ ممارسةٌ ممنهجة بحسب الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.
مئاتُ الآلاف فروا من الوطن؛ وكانت إريتريا لسنوات من أكبر مصادر اللاجئين في العالم قياساً إلى عدد سكانها، يخاطر شبابُها بالبحر والصحراء هرباً من الخدمة الأبدية.
لا إنترنت حر، لا جامعات مستقلة، لا أحزاب، لا نقابات.. دولةٌ يديرها حزبٌ واحد ورجلٌ واحد، والشعبُ من يدفع الثمن.
«مسؤولون إريتريون ارتكبوا منذ 1991 جرائمَ قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية: استعباداً وسجناً واختفاءً قسرياً وتعذيباً واضطهاداً» — لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن إريتريا، 2016
المصادر: لجنة التحقيق الأممية بشأن إريتريا (2015–2016) · هيومن رايتس ووتش · منظمة العفو الدولية · مراسلون بلا حدود
ملفات ErOpp
قراءات معمّقة في مأساة الوطن: تواريخ ومفاصل كُتبت بالدم والصمت.
ملف
في ليلةٍ واحدة أُغلقت الصحف واختفى الإصلاحيون.. حكاية اللحظة التي انقلب فيها النظام على رفاق السلاح.
شهادة
ثمانية عشر شهراً قالوا، فإذا بها عمرٌ كامل.. كيف تحوّلت الخدمة الوطنية إلى استعباد مفتوح الأمد.
ملف
ثلاث سنوات من المشاورات الشعبية أنجبت دستوراً واعداً، فحفظه النظام في الأدراج إلى الأبد.
أرقام
خمسة آلاف هارب كل شهر في ذروة الأزمة.. عندما يصبح الفرار من الوطن هو الخيار الوحيد للحياة.
الصفحة الثالثة · النصرة
هذه المنصة مستقلة يقوم عليها متطوعون. دعمُك يساعدنا على أرشفة قصص الشهداء، وتوثيق الانتهاكات، وترجمة التقارير، وإيصال صوت المظلومين إلى العالم. كلُّ مساهمةٍ — مهما صغُرت — شعلةٌ جديدة في جدار النور.
ملاحظة: التبرع والدعم يتم حالياً عبر قناتنا على Telegram. انضم إلينا للتنسيق أو الاستفسار.
بعد حرب الحدود مع إثيوبيا (1998–2000) التي أودت بعشرات الآلاف، خرج من داخل جبهة الحكم نفسها من يقول: كفى. خمسة عشر قيادياً — وزراء وقادة ميدانيون ورفاق دربٍ للرئيس نفسه — وقّعوا رسائل مفتوحة تطالب بتطبيق الدستور وإجراء انتخابات ومحاسبة المقصّرين في الحرب.
كان ردُّ أسياس أفورقي أن أمر في فجر 18 سبتمبر 2001 باعتقال أحد عشر منهم، وإغلاق جميع الصحف المستقلة دفعة واحدة — «ميتسياس» و«زمن» و«عداليس» و«سيتيت» وغيرها — واعتقال ناشريها ومحرريها.
منذ ذلك اليوم لم يُعرض أيٌّ من المعتقلين على قضاء، ولم تُوجَّه إليهم تهمةٌ معلنة. ورجّحت تقارير حقوقية وفاة عدد منهم في المعتقل، فيما ما يزال الصحفي السويدي-الإريتري داويت إسحاق محتجزاً منذ 2001 دون محاكمة، في واحدة من أطول قضايا اعتقال الصحفيين في العالم.
والنتيجة اليوم: لا صحيفة مستقلة واحدة في البلاد، وإريتريا تتذيّل مؤشر مراسلون بلا حدود لحرية الصحافة منذ سنوات، متأخرةً حتى عن كوريا الشمالية في بعض المواسم. لقد أُسكتت الكلمة في يومٍ واحد.. وما زال الصمت قائماً منذ ربع قرن.
حين أُقرّت الخدمة الوطنية عام 1995 كانت مدتها ثمانية عشر شهراً. لكن حرب 1998 فتحت الباب لتحويلها إلى تجنيدٍ مفتوح بلا نهاية: جيلٌ كامل يُقتاد في الصف الثاني عشر إلى معسكر ساوا، ومنه إلى الخنادق أو المزارع أو مشاريع الدولة، برواتب رمزية لا تسدّ جوعاً.
لجنة التحقيق الأممية وصفت هذا النظام بأنه يرقى إلى الاستعباد: عملٌ قسري مفتوح الأمد، تحت تهديد السجن والتعذيب، في مخالفة صريحة للقانون الدولي.
وفي المدن تجري مداهمات يسمّيها الناس «جيفّا»: طوقٌ أمني على حيٍّ أو سوق، وكل شاب لا يحمل ورقة إعفاء يُنقل مكبّلاً إلى المعسكرات. أما من يحاول عبور الحدود، فقد وثّقت الأمم المتحدة أوامرَ بإطلاق النار على الفارّين.
هكذا تحوّل الوطن الذي حرّره الشباب إلى سجنٍ يحرس الشبابَ أنفسهم؛ فلا عمرَ للدراسة، ولا عمرَ للزواج، ولا عمرَ للحلم.. العمر كلُّه «واجبٌ وطني» لا ينتهي إلا بالفرار أو بالقبر.
عام 1994 شُكّلت لجنة دستورية برئاسة القانوني المرموق بركت هبتى سلاسي، جالت في قرى إريتريا ومنافيها تستشير الناس، حتى أُقرّ الدستور في مايو 1997: تعدديةٌ حزبية، وفصل سلطات، وانتخابات دورية، وصحافة حرة.
لم يُطبَّق بندٌ واحد منه. قيل إن حرب 1998 «أجّلت» التنفيذ، ثم قيل إن «الوقت غير مناسب».. حتى صار التأجيل نفسُه هو الدستور الفعلي للبلاد.
واليوم: لا برلمان فعلي — فالمجلس الوطني لم ينعقد منذ سنوات طويلة — ولا محكمة دستورية، ولا حزب غير الجبهة الشعبية، ولا رئيس يُسأل أمام أحد. أما بركت هبتى سلاسي نفسه، صاحب الدستور، فقد مات منفياً بعد أن رأى حلمه يُرفَس.
شعبٌ دفع ثلاثين سنة من الدماء ثمناً لوطنٍ يحكمه القانون، فإذا به يُحكم بمزاج رجل. لهذا نقول: معركة الدستور لم تمت.. بل تنتظر جيلاً يسترجعها.
لا يحتاج المرء إلى استطلاع رأي ليعرف حكم الإريتريين على واقعهم؛ يكفي أن يرى الطوابير على الحدود. فقد فرّ مئات الآلاف خلال العقدين الماضيين، حتى صارت إريتريا من أكبر دول العالم تصديراً للاجئين قياساً إلى عدد سكانها، وقدّرت الأمم المتحدة في ذروة الأزمة (2015) خروجَ نحو خمسة آلاف شخص شهرياً.
وطريق الفرار محفوفٌ بالموت: صحراء سيناء حيث وثّقت المنظمات الحقوقية جرائمَ الاتجار بالبشر والتعذيب مقابل الفدية، ثم قوارب المتوسط التي ابتلعت الآلاف.
وبدل أن يسأل النظام نفسه لماذا يهرب شبابه، حوّل المأساة إلى مورد: ضريبة «2%» تُفرض على أبناء المهجر مقابل خدمات القنصليات، وهي ممارسة أدانها مجلس الأمن الدولي مراراً.
إن كل قارب يغرق، وكل شاب يذوي في معسكر، هو استفتاءٌ صامت على ربع قرن من الحكم بلا دستور. الشعب لم يغادر وطنه.. الوطن هو الذي طُرد مؤقتاً، وسيعود.